ابن ميثم البحراني
252
شرح نهج البلاغة
استمتعوا به ممّا كان نصيبا لكلّ منهم في مدّة بقائه من متاع الدنيا . ومستفسح خناقهم : محلّ الفسحة لأعناقهم من ضيق حبائل الموت وأغلال الجحيم ، وذلك المستفسح هو مدّة حياتهم أيضا ثمّ أردف ذلك بوصف حال الماضين في غرورهم ، وذكر إعجال الموت لهم عن بلوغ آمالهم وتشذيبه لهم باخترامهم عنها ونبّه به علي وجوب تقصير الأمل والاستعداد للموت وكذلك نبّهم بقوله : لم يمهدوا . إلى قوله : الأوان . على تقصير الماضين في إصلاح معادهم حيث أمكنهم ذلك في سلامة أبدانهم وأوّل زمانهم ليحصل لهم بذلك التذكَّر نفرة عن حال السابقين وانزعاج عن الغرور إلى الاستعداد بالتقوى والأعمال الصالحة ، ثمّ استفهمهم عمّا ينتظر الشباب بشبابهم غير حواني الهرم ، وأهل الصحّة بصحّتهم غير الأسقام والمعمّرون بطول أعمارهم غير الفناء استفهاما على سبيل الإنكار لما ينتظرونه غير هذه الأمور وتقريعا على ذلك الانتظار وتنفيرا عنه بذكر غاياته الَّتي حصره فيها . وأعلم أنّ ذلك ليس انتظارا حقيقيّا لكن لمّا كان المنتظر لأمر والمترقّب له تاركا في أحواله لما يعنيه من الاشتغال إلى غاية أن يصل إليه ما ينتظره ، وكانت غاية الشباب أن يحني ظهورهم الهرم . وغاية الصحيح أن يسقم ، وغاية المعمّر أن يفنى أشبه تركهم للعمل وعبادة اللَّه إلى غاياتهم المذكورة لانتظار لها . فاستعير له لفظ الانتظار . ثمّ كنّى عن شدّة حال المفارق في سكرات الموت بأوصاف تعرض له حينئذ كالرعدة والغلق والغمّ والخوف والغصص بالريق والتلفّت للاستغاثة بالأعوان والأقرباء والأعزّة . ثمّ نبّه بقوله : فهل دفعت الأقارب أو نفعت النواحب : أي البواكي . على أنّ ما يقع عند نزول الموت من تلك الأحوال لا ينفع في دفعه قريب ولا حبيب على طريق الاستفهام والإنكار . وقوله : قد غودر . الجملة في محل النصب على الحال والعامل نفعت : أي لم ينفعه البكاء حال ما غودر في محلّ الأموات بالأوصاف الكريهة تنفيرا عن أحواله وجذبا إلى الخلاص من أهوالها بالعمل للَّه والإخلاص له . ورهينا : إي مقيما أو مرتهنا بذنوبه وموثوقا بها . ونصبه على الحال ، وكذلك وحيدا ، وموضع قوله : قد هتكت ، وباقي الأفعال المعطوفة عليه . والهوام : الديدان المتولَّدة من جيفة أو غيرها .